• ×


جمعية ماهر

أثر القرآن الكريم في حفظ اللغة العربية وتطورها

جمعية ماهر

 0  0  930
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لقد اختار الله تعالى لكتابه أفصح اللغات فقال تعالى:{إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (الزخرف: 3)، وقال تعالى:{نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥} ( الشعراء : 193ـ ١٩4 ـ 195) ، وقال تعالى: {قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨} (الزمر: 28) .‏

ومن الراجح أن اللغة العربية هي أقدم اللغات على الإطلاق، كما بينت الدراسات الحديثة وأنها اللغة التي علّم الله بها آدم الأسماء كلها، وهي لغة أهل الجنة كما ورد في الحديث: «أُحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ: لأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ «.(1).

ومن هذا المنطلق نجد الثعالبي يعبر عن هذه اللغة أبلغ تعبير فيقول في مقدمة كتابه الشهير » فقه اللغة وسرّ العربية «: «من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها وثابر عليها وصرف همَّته إليها؛ ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمداً ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات، والألسنة والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد ثم هي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار. ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره ويطيب في الدارين ثمره فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحسبة .

ولِما شرفها الله تعالى عزَّ اسمه وعظَّمها ورفع خطرها وكرَّمها وأوحى بها إلى خير خلقه وجعل لسانَ أمينه على وحيه وخلفائه في أرضه وأراد بقضائها ودوامها حتى تكون في هذه العاجلة لخيار عباده وفي تلك الآجلة لساكني جنانه ودار ثوابه قيَّض لها حفظة وخزنة من خواصه من خيار الناس وأعيان الفضل وأنجم الأرض».

إن ارتباط اللغة العربية بالقرآن جعلها محفوظة بحفظه، وباقية ببقائه؛ إذ المتأمل للتاريخ يرى بوضوح لغات كثيرة قد اندثرت بموت أهلها أو ضعفت بضعفهم، كالبابلية القديمة، والسريانية، و المصرية، والآشورية، وغيرها كثير، وبقيت لغة القرآن صامدة لا تهزها العواصف ولا تغيرها الحوادث، لها قابلية التطور والتجدد، لما وهبها الله من المعاني الفياضة، والألفاظ المتطورة والتراكيب الجديدة، والأساليب العالية الرفيعة، فأصبحت بذلك محط جميع الأنظار، والاقتباس منها مناط العز والفخار، وغدت اللغة العربية تتألق وتتباهى على غيرها من اللغات بما حازت عليه من محاسن الجمال وأنواع الكمال، وفي هذا يقول محمد صادق الرافعي :: «نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معاً، فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه إذ النور جملة واحدة، وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته، وهو في كل جزء من أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، وبدلت الأرض غير الأرض، وإنما كان ذلك؛ لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجراها في ظاهره على بواطن أسرارها، فجاء بها في ماء الجمال أملأ من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز، وصورها بالحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها به من المطاوعة في تقلب الأساليب، وتحويل التركيب إلى التراكيب، قد أظهرها مظهراً لا يقضى العجب منه؛ لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أم صوت الخلود؛ لأنها هي لغتهم التي يعرفونها ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح ولا قيصوم».

ومن هنا اكتسبت اللغة العربية القداسة النورانية والخلود السرمدي، قال الله تعالى:{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} (الحجر: ٩)؛ فبحفظ الله تعالى كتابه يحفظ اللغة العربية، فهي باقية ببقائه إلى يوم الدين.

فلقد كان نزول القرآن الكريم بالعربية الفصحى أهمَّ حَدَث في مراحل تطوُّرها؛ فقد وحَّد لهجاتها المختلفة في لغة فصيحة واحدة قائمة في الأساس على لهجة قريش، وأضاف إلى معجمها ألفاظًا كثيرة وأعطى لألفاظٍ أخرى دلالات جديدة. كما ارتقى ببلاغة التراكيب العربية. وكان سببًا في نشأة علومها الأخر كالنحو والصرف والأصوات وفقه اللغة والبلاغة فضلاً عن العلوم الشرعية، مما مكنها من القدرة على التكيف والمرونة وحقَّق للعربية سعة الانتشار والعالمية شهد لها بذلك حتى أعداؤها من العجم يقول أرنست رينان ـ الذي عرف بأنه من أشد خصوم الإسلام في كتابه اللغات السامية ـ : «من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء، فبدأت فجأة في غاية الكمال، سلسلة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة؛ بحيث لم يدخل عليها منذ يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة ظهرت لأول أمرها تامة محكمة ولم يمضِ على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها النصارى «ولذلك فمن الخطر فصل اللغة العربية عَن مستوى بيان القرآن وذلك هو هدف التغريب الذي يعرفه جيداً جميع المستشرقين وبعض أهل العلم من الغربيين ويعلمون أنه لا عربية بدون قرآن وأن اللغة العربية حافظت على وجودها وصفاتها بفضل القرآن العظيم الذي تعهد المولى ¸ بحفظه فسمت بنزوله العربية ورقت وتطورت وأصبحت سيدة لغات العالم.

_______________________________________
1.أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، 4/ 97، والطبراني في المعجم الأوسط ، 5 / 369، والبيهقي في شعب الإيمان، 3 / 34.

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:04 صباحًا الأحد 21 يوليو 2019.